الشنقيطي
348
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ألسنة الرسل ؛ فمن ذلك قوله جل وعلا : كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ( 8 ) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ [ الملك : 8 - 9 ] الآية . ومعلوم أن قوله جل وعلا : كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ [ الملك : 8 ] يعم جميع الأفواج الملقين في النار . قال أبو حيان في « البحر المحيط » في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ما نصه : « وكلّما » تدل على عموم أزمان الإلقاء فتعم الملقين ؛ ومن ذلك قوله جل وعلا : وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 71 ) [ الزمر : 71 ] ، وقوله في هذه الآية : وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا عام لجميع الكفار . وقد تقرر في الأصول : أن الموصولات كالذي والتي وفروعهما من صيغ العموم ؛ لعمومها في كل ما تشمله صلاتها ، وعقده في مراقي السعود بقوله في صيغ العموم : صيغة كل أو الجميع * وقد تلا الذي التي الفروع ومراده بالبيت : أن لفظة « كل ، وجميع ، والذي ، والتي » وفروعهما كل ذلك من صيغ العموم ؛ فقوله تعالى : وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً إلى قوله يَوْمِكُمْ هذا عام في جميع الكفار . وهو ظاهر في أن جميع أهل النار قد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا ؛ فعصوا أمر ربهم كما هو واضح . ونظيره أيضا قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ( 36 ) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [ فاطر : 36 - 37 ] ؛ فقوله وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ إلى قوله النَّذِيرُ فَذُوقُوا عام أيضا في جميع أهل النار ؛ كما تقدم إيضاحه قريبا . ونظير ذلك قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ ( 49 ) قالُوا أَ وَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ * إِلَّا فِي ضَلالٍ ( 50 ) [ غافر : 49 - 50 ] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن جميع أهل النار أنذرتهم الرسل في دار الدنيا . وهذه الآيات التي ذكرنا وأمثالها في القرآن تدل على عذر أهل الفترة بأنهم لم يأتهم نذير ولو ماتوا على الكفر ؛ وبهذا قالت جماعة من أهل العلم . وذهبت جماعة أخر من أهل العلم إلى أن كل من مات على الكفر فهو في النار ولو